الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

11

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

السماوات والأرض ، أي بما فيهم ، وخالق الظلمات والنور . ثم إنّ في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضا بحالي المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق ، فإنّ الكفر يشبه الظلمة لأنّه انغماس في جهالة وحيرة ، والإيمان يشبه النور لأنّه استبانة الهدى والحقّ . قال تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ * [ البقرة : 257 ] . وقدّم ذكر الظلمات مراعاة للترتّب في الوجود لأنّ الظلمة سابقة النور ، فإنّ النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة ، وكانت الظلمة عامّة . وإنّما جمع الظُّلُماتِ وأفرد النُّورَ اتّباعا للاستعمال ، لأنّ لفظ ( الظلمات ) بالجمع أخفّ ، ولفظ ( النور ) بالإفراد أخفّ ، ولذلك لم يرد لفظ ( الظلمات ) في القرآن إلّا جمعا ولم يرد لفظ ( النور ) إلّا مفردا . وهما معا دالّان على الجنس ، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال ، خلافا لما في « الكشاف » . ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . عطفت جملة ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ على جملة : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ . ف ثُمَّ للتراخي الرتبي الدالّ على أنّ ما بعدها يتضمّن معنى من نوع ما قبله ، وهو أهمّ في بابه . وذلك شأن ( ثم ) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى ، فإنّ عدول المشركين عن عبادة اللّه مع علمهم بأنّه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك . والحجّة ناهضة على الذين كفروا لأنّ جميعهم عدا المانوية يعترفون بأنّ اللّه هو الخالق والمدبّر للكون ، ولذلك قال اللّه تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ النحل : 17 ] . والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع ثُمَّ ودلالة المضارع على التجدّد ، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأمّا المانوية فالتعجيب من شأنهم في أنّهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته . فالمراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا كلّ من كفر بإثبات إله غير اللّه تعالى سواء في ذلك من جعل له شريكا مثل مشركي العرب والصابئة ومن خصّ غير اللّه بالإلهية كالمانوية . وهذا المراد دلّت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق الذين كفروا على المشركين . ومعنى يَعْدِلُونَ يسوّون . والعدل : التسوية . تقول : عدلت فلانا بفلان ، إذا سوّيته